فن العمارة في الاندلس

PrintE-Mail

المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات  

في بداية القرن الثامن الميلادي، عبر طارق بن زياد المضيق، الذي يفصل بين أفريقيا وأوروبا، إلى أسبانيا. المضيق يحمل اسمه اليوم ويسمى مضيق جبل طارق. 

طارق وغالبية جيشه، كانوا من قبائل البربر أو الأمازيغ، المعروفة عند الغرب بالمور. كلمة مور تعني أسمر، ومنها اشتقت كلمتي مراكش وموريتانيا. المور هزموا حكام أسبانيا القوط، وأقاموا حكما استمر 800 سنة. وأصبحت البلاد تعرف بالأندلس.

خلال حكم المسلمين، للأندلس، بلغ فن العمارة أوجه. وبات لها تميزها وخصوصيتها، التي أصبحت تعرف بالعمارة الشرقية. العقيدة الدينية التي أعطتنا المعابد الفرعونية والإغريقية والرومانية والكنائس والكاتيدرائيات المسيحية، الآن تعطينا العمارة الإسلامية أو العمارة المغربية.

العمارة المغربية، تختلف تماما عن عمارة المعابد الفرعونية أو اللإغريقية أو الرومانية، كذلك تختلف عن عمارة الكنائس البيزنطية أو القوطية، التي ناقشناها سابقا. سنحاول الآن فهم طبيعة العمارة الإسلامية الجديدة. 

المسجد، هو أهم مكان في حياة المسلم. المسلم هنا لا يشذ عن المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو الهندوسي. معابدهم، أيضا، تعتبر أهم مكان في حياتهم. 

المسجد، في العمارة المغربية، عبارة عن صالة كبيرة للصلاة، وحوش به نافورة أو مكان للوضوء، ومئذنة رفيعة طويلة بسلالم داخلية، وبلكونة دائرية مرتفعة، ينادي منها المؤذن للصلاة في كل الاتجاهات الأربعة. 

كل أنواع الأقواس تستخدم في المساجد. القوس الذي يشبه حدوة الحصان، تم اختراعه عن طريق المغاربه الأمازيغ، المور(Moors). هناك أيضا المقرنصات، أو الحليمات، التي تتكون من معلقات مقوسة أو أسطوانات معلقة من السقف. تشبه في الشكل الكتل الجليدية المدلاة من الحواف الحادة.

تغطي المقرنصة، المجالات المقعرة، والتقاء السطوح الحادة الأطراف في الأركان، بين السقف والجدران وأسفل الشرفات. تسمح بالانتقال السلس من الشكل المربع لقاعدة القبة إلى الشكل الدائري. تستخدم في الحنايا الركنية وسماء القباب وطاساتها الخارجية. 

Granada: Alhambra particolare soffitto in HDR
القبة هي تاج المسجد. من الخارج يبدو المسجد عادي جدا، لكنه من الداخل، قمة في الروعة. السقف والأقواس داخل المسجد، محمولة بكل أنواع الأعمدة. الإسلام لا يسمح بالتماثيل أو الصور أو الرسومات من أي نوع داخل المسجد. لذلك زينت المساجد بالنقوش الشرقية المعروفة بالأرابيسك. أشكال النباتات، إن وجدت، توجد بطريقة مجردة بحيث لا تستطيع تمييز نوعها. 

نقوش الأرابيسك عبارة عن خليط جميل من كل الأشكال الهندسية التقليدية، التي لا تمثل صورا لمخلوقات حية من حيوان أو نبات. هذه الأشكال الهندسية ترسم متداخلة مع بعضها بأسلوب تطريز بديع وألوان متناسقة، إلى جوار آيات قرآنية مكتوبة بخطوط عربية رائعة. 

من بقايا العمارة المغربية الكثيرة بالأندلس، مسجد قرطبة ومسجد الحمرا. قرطبة كانت عاصمة الدولة السياسية والدينية. مسجد قرطبة هو من أعظم مساجد الأندلس وأكثرها أناقة، يعدّ تحفة فريدة من
حيث روعة زخارفه وفنون عمارته. 

يرجع تأسيس المسجد إلى سنة 710م، عندما اتخذ بنو أمية قرطبة حاضرة لملكهم، حيث شاطر المسلمون نصارى قرطبة كنيستهم العظمى، فبنوا في شطرهم مسجداً وبقي الشطر الآخر للروم. 

حينما ازدحمت المدينة بالمسلمين وجيوشهم، اشترى عبد الرحمن بن معاوية شطر الكنيسة، وأمر عبد الرحمن الداخل سنة 786م، بإعادة بناء الجامع على أساس وشكل جديدين. لقد تم بناء هذا الجامع خلال قرنين و نصف قرن تقريبا.

ظل الحكام يوسعون ويضيفون إلى الجامع، إلى أن أصبح لا مثيل له في الحجم أو الزخارف في العالم الإسلامي كله. بات من الضخامة والفخامة في حجم كنيسة القديس بطرس في روما. كانت مساحة الجامع 785 مترا في البداية، فأصبحت بعد التوسع والإضافات 4875 مترا. 

كان المسجد قديماً يُسمى بـ “جامع الحضرة”، أي جامع الخليفة، أمّا اليوم فيُسمى بـ “مسجد الكاتدرائية”، بعد أن حوله الأسبان إلى كاتدرائية مسيحية. 

أهم ما يميز هذا الجامع، الفريد في تاريخ الفن المعماري، أن كل الإضافات و التعديلات و أعمال الزينة ، كانت تسير في نمط واحد و على وتيرة واحدة ، بحيث تتسق مع شكله الأساسي.

كان الشكل الأصلي لمسجد عبدالرحمن، في عام 786م، يتألف من حرم عرضه 73.5متر، و عمقه 36.8متر. مقسم إلى 11 رواقاً ، بواسطة 10 صفوف من الأقواس ، يضم كل منها 12 قوس. 

ترتكز على غابة من الأعمدة الرخامية، عددها 1400 عمود. الأعمدة تمثل جذوع الأشجار، والأقواس تمثل فروعها. بعض المؤرخين يعتقد بأن هذه الأعمدة جاءت من المعابد الوثنية الشرقية، آخرون يعتقدون أن الأعمدة نحتت من المحاجر الأسبانية. 

نظام الأقواس الثنائية يعتبر نظام فريد ليس له مثيل. أعمدة المعبد قصيرة يبلغ طول كل منها 10 أقدام تقريبا. الأقواس والقباب على هذا الارتفاع، تجعل الإضاءة غير مناسبة. 

لذلك، ابتكر البناؤن الأمازيغ سلسلة أقواس في شكل حدوة الحصان، شرائح حمراء وأخرى بيضاء. إلى هذه، أضيفت سلسلة أقواس ثانية، مدعمة بأعمدة رومانية. فوقها يستند سقف خشبي، تم استبداله بسقف على شكل قباب في القرن السادس عشر. 

من أعمال الحكم في جامع قرطبة، عمل ميضات، ومد قنوات المياه إلى السقايات. عبر قناة من سفح جبل العروس قرب قرطبه. كما أنشا الحكم عدداً من المقاصير. منها مقصورة “دار الصدقة” غربي الجامع، جعلها مركزاً لتوزيع الصدقات، و مقصورة أخرى أمام الباب الغربي كان الفقراء يتخذونها مسكناً لهم.

المحراب أهم ما يميز المسجد، يعتبر قطعة فنية رائعة. أمر ببنائه الخليفة الحاكم سنة 961م. حيث قام باستدعاء شخص مختص بالموزاييك لعمل زخرفة للمحراب، مشابهة لما قام به الخليفة الوليد في المسجد الاموي بدمشق. شمال المحراب بنيت استراحة للخليفة وحاشيتة. عبارة عن ثلاث غرف لها قباب بأقواس متداخلة.


أرسل البيزنطيون أحد العمال ومعه كمية كبيرة من الموزاييك. قام هذا العامل بتدريب العمال المحليين، ليكملوا العمل على المحراب وزخرفته.

القبة بناها آل الحكم الثاني. شكلها الثماني المؤلف من 8 أقواس كبيرة تغطي هذا المثمن. الرقم 8 مقدس عند المسلمين، لأن أبواب الجنة، كما ورد في الأحاديث، ثمانية. 
هذه الأقواس استخدمت بطريقة رائعة كنظام إنشائي حامل للقبة. أصبحت فيما بعد نمطا متداولا وشائعا في العمارة القوطية.

Cordoba moschee innen dome

الغرض من عمل القبة بهذا الشكل لم يكن إنشائيا فحسب، إنما كان لمحاولة الخروج من الأشكال التقليدية، الى أشكال أخرى إبداعية. نجح المسلمون هنا نجاحا لا مثيل له، وأنتجوا تحفة معمارية بحق. 

تعتبر هذه القبة واحدة من آخر الأعمال العظيمة والكبيرة للمسلمين بالموزاييك. تميزت زخارفها باستخدام حروف الكتابة، وأيضا أشكال النباتات المجردة والخطوط البسيطة. 

صحن المسجد الرائع، محاط بسور تتخلله سبعة أبواب. في الجهة الشمالية، توجد المئذنة. الصحن مليء بالنوافير وأشجار البرتقال، التي تكمل الفناء الداخلي. غابة أعمدة في الداخل، وغابة شجر في الخارج، كنوع من الربط والاستمرارية. 

 

تعتبر منارة الجامع، منارة عبد الرحمن الناصر، حفيد عبد الرحمن الداخل صقر قريش، من المنائر البديعة التي تحتوي على سلمين ولها 107درجات. في أعلاها ثلاث مظلات، اثنتان من الذهب والثالثة من الفضة. مزينة بالنقوش البارزة التي تمثل أشكال دوائر وزهور الزنبق وثمار الرمان.

منارة جامع قرطبة الكبير الاندلس

يوجد فوقها رمانة ذهبية صغيرة. حوّل الأسبـان هذه المنارة إلى برج لأجراس الكاتدرائية. في الزاوية الجنوبية للمسجد، توجد منارة أخرى مربعة الشكل. الفتحات والمساقط من كل أنواع الرخام الملون.

سقف الجامع من الكريستال الملون اللامع المبهر. النقش والكتابة البارزة والمقرنصات، مضاءة بآلاف المصابيح المملوءة بزيوت الإنارة المعطرة. هناك غرفة صغيرة بها المنبر الرائع، الذي يحتوي على نسخة نادرة من القرآن الكريم. 

عندما طرد المسلمون من أسبانيا، تحول المسجد بطريقة عشوائية إلى كاتدرائية. حيث دمرت أجزاء منه وتمت إزاحة 400 عمود من الصحن الداخلي، لإيجاد مساحة للطقوس المسيحية. ثم بنيت حول هذه المساحة جدران منقوشة، مدعمة ب 35 دعامة تشبه الأبراج. 

النتيجة لم تكن سارة للملك تشارلز الأول، الذي أمر بتحويل المسجد إلى كنيسة. إلا أن ما تبقى من المسجد، يدل على روعة بنائه وتصميمه الشرقي الأصيل، الذي لا يضاهيه شئ. هناك مساجد كثيرة في مصر وتركيا وإيران والهند وأسبانيا، لكن مسجد قرطبة، هو أروعها كلها.

يرجع بناء قصر الحمراء إلى القرن العاشر الميلادي. كانت هناك “قلعة الحمراء”، فوق الهضبة الواقعة على ضفة نهر حدره اليسرى. عندما تولى زعيم البربر (الأمازيغ)، باديس بن حبوس، حكم غرناطة، بعد ظهور دول الطوائف في بداية القرن الخامس الهجري. 

أنشأ باديس سوراً منيعاً حول الهضبة التي قامت عليها “قلعة الحمراء”، وبنى داخل هذا السور قصراً أو مركز حكومته، وسميت القلعة، “القصبة الحمراء”. الهضبة يمكن اعتبارها، أكروبول أسبانيا. 

اسم القصر، قصر الحمراء، مشتق من بني الأحمر، الذين كانوا يحكمون غرناطة في القرن الثالث عشر، والذين أضافوا للقصر بعض أجزائه . يرى آخرون أن التسمية تعود إلى التربة الحمراء التي يمتاز بها التل. 

ينقسم القصر إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول هو قسم المشورة، الذي يعقد فيه الملك مجلسه، ويصرف أمور دولته، ويسمع ظلامات رعاياه. الثاني، قسم الاستقبالات الرسمية. يشمل الديوان وقاعة العرش. الثالث، قسم الحريم. يضم المسكن الخاصة بالملوك.

القصر، في الواقع، عبارة عن قصرين مندمجين، إذ تتمحور الصالات والغرف حول صحنين متعامدين مع بعضهما. السقف والأروقة مدعومة ب 4000 عمود رخامي من جميع الألوان. 

في عهد الأمير يوسف الأول بن الأحمر، تم بناء برج السيدات وقصر البرطل، وجميع المنشآت التي تحيط بصحن البركة، بما في ذلك برج قمارش الذي تقع فيه صالة السفراء، والمصلى وحمامات القصر. 

ثم أضاف الأمير محمد الخامس إلى هذه المجموعة صحن الأسود مع الصالات التي تحيط به، وخاصة قاعة الملوك أو قاعة العدل، وقاعة الأختين، وقاعة بني سراج. 

كان محظوراً دخول صحن الأسود حتى على أقرب المقربين إلى الأمير. زخرفة الجدران والأقواس، أغلبها نصف دائرية، توظف ديكورات القباب المقرنصة.

من سمات العمارة الإسلامية الواضحة في أبنية القصر؛ استخدام العناصر الزخرفية الرقيقة في تنظيمات هندسية كزخارف السجاد، وكتابة الآيات القرآنية والأدعية.

قصائد المديح والوصف، من نظم شعراء كابن زمرك، تحيط بها زخارف من الجص الملون الذي يكسو الجدران، وبلاطات القيشاني الملون ذات النقوش الهندسية، التي تغطي الأجزاء السفلى من الجدران.

هناك الأجنحة والبلكونات والشرفات والنوافير التي تلطف الجو. في الأصل، كانت الأفنية مظللة بالنباتات العطرية والفل والياسمين وأشجار البرتقال والنخيل والصنوبر دائمة الخضرة. 

الديكورات من شغل الأرابيسك والفسيفساء، مطعمة بالذهب والفضة واللؤلؤ. المشايات، بالقرميد المطعم بالمزايكو والقيشاني. التصميم الأولي كان على شكل الخيمة، ونقوش الأرابيسك منقولة من نقوش السجاجيد. أعمدة الرخام نحيفة تشبه أعمدة الخيام. 

قاعة الأسود، هي أجمل صالة في قصر الحمراء. مزينة ب 124 عمودا. عبارة عن جناح من المرمر والألباستر، يعتبر جوهرة العمارة المغربية (البربر أو الأمازيغ أو المور)، في أسبانيا. في وسط الصحن، توجد نافورة تزينها إثنا عشر أسدا من المرمر. بناها محمد الغني بالله، المتوفى عام 1391م. 

حفرت حولها قصيدة الشاعر ابن زمرك التي تبدأ بـ:
تبارك من أعطى الإمام محمدا، مغاني زانت بالجمال المغانيا 
وفيها يقول:
يذوب لجين سال بين جواهر*** غدا مثلها في الحسن أبيض صافيا 
تشابه جار للعيون بجامد*** فلم ندر أيا منهما كان جاريا
ألم تر أن الماء يجري بصفحها*** ولكنها مدت عليه المجاريا 
كمثل محب فاض بالدمع جفنه*** وغضض ذاك الدمع إذ خاف واشيا.

 

يعتبر الأمازيغ قصر الحمراء معجزة فنية. يقولون أن الخليفة الذي بناه، لا بد أن يكون على دراية بأسرار علم الكيمياء، حتى أنه استطاع أن يأتي بالذهب اللازم للإنفاق على بناء مثل هذا العمل الجبار. 

الحديث عن جمال معمار قصر الحمراء، لا يجعلنا نغفل الألوان التي تدخل في المشهد. لون التل الأحمر الذي بني فوقه القصر، واللون الأخضر، لون الخضرة والزرع والشجر، وزهور العطر والفواكه بكل أنواعها. 

تستحم جميعها في النهار بأشعة الشمس الذهبية الساطعة، فتتوهج في تباين بديع، مع زرقة السماء الصافية التي يشوبها قليل من الغمام. ناهيك عن ضوء البدر الفضي في ليالي الوصل الأندلسية، وهو يتسلل من بين الأعمدة والأقواس الرخامية للأروقة والطرقات. مع هبات النسيم المعطر بأريج زهور البرتقال، لا ينقصنا سوى سهو القدر ورضى الحبيب وسماع أغاني فيروز. 

ولحديث الفن والفنانين بقية، فإلى اللقاء.

محمد زكريا توفيق
عن محمد زكريا توفيق 1 مقالة واحدة
يعيش في مدينة نيويورك متزوج وله إبنتان، متحصل على ماجستير في الرياضة البحتية، وماجستير في علوم الكمبيوتر، ونشرت له العديد من المقالات فى صحافة مصر والخارج

قم بكتابة اول تعليق

شاركــــنا رأيك و بإحترام

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.